حبيب الله الهاشمي الخوئي

31

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ويؤيّد الأوّل قوله ( ويعفّر له خدّا ووجها ) لظهوره في التمريغ أي تقليب الوجه والخدّ بالأرض اللَّهمّ إلَّا أن يكون كناية عن غاية الخضوع ( ويلقى اليه بالطاعة ) أي يطيع له ( سلما وضعفا ) أي من حيث التسليم والضعف أو حال كونه مستسلما ضعيفا ( ويعطى له القياد رهبة وخوفا ) أي ينقاد له لأجل الخوف والرهبة . ( فالطير مسخّرة لأمره ) كما قال تعالى * ( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . قال الطبرسي : أي ألم تتفكَّروا وتنظروا إلى الطير كيف خلقها اللَّه خلقة يمكنها معها التصرّف في جوّ السّماء صاعدة ومنحدرة وذاهبة وجائية مذللات للطَّيران في الهواء بأجنحتها تطير من غير أن تعتمد على شيء - ما يمسكهنّ إلَّا اللَّه - أي ما يمسكهنّ عن السقوط على الأرض من الهواء إلَّا اللَّه فيمسك الهواء تحت الطير حتّى لا ينزل فيه كامساك الهواء تحت السابح في الماء حتّى لا ينزل فيه ، فجعل إمساك الهواء تحتها إمساكا لها على التوسّع ، فانّ سكونها في الجوّ إنما هو فعلها ، فالمعنى ألم ينظروا في ذلك فتعلموا أنّ لها مسخّرا ومدبّرا لا يعجزه شيء ولا يتعذّر عليه شيء وأنه إنّما خلق ذلك ليعتبروا . ولما نبّه على كونها مسخّرة مقهورة تحت قدرته ، أردفه بإحاطة علمه تعالى عليها بجميع أجزائها فقال ( أحصى عدد الريش منها والنفس ) واحصائه كناية عن علمه به ( وأرسى قوايمها على الندى واليبس ) أي أثبت قوايمها بعضها على الندى كطير البحر وبعضها على اليبس كطير البرّ ( قدّر أقواتها ) أي جعل لكلّ منها قوتا مقدّرا معيّنا على قدر الكفاية ( وأحصى أجناسها ) وهو كناية عن احاطته بأنواعها . وفصّلها بقوله ( فهذا غراب وهذا عقاب وهذا حمام وهذا نعام دعا كلّ طاير باسمه ) . قال الشارح البحراني : الدّعاء استعارة في أمر كلّ نوع بالدّخول في الوجود وذلك الأمر يعود إلى حكم القدرة الإلهية العظيمة عليه بالدّخول في الوجود ، ووجه